ابراهيم بن عمر البقاعي

663

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها ، ورحمته بجعلها عليه بردا وسلاما ؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليه السّلام العود في ملتهم ، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر - واللّه الموفق . ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم ، قال مسببا عما مضى تقريرا لهم : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي حزب اللّه وحزب ما أشركتم به ، ولم يقل : فأيّنا ، تعميما للمعنى أَحَقُّ بِالْأَمْنِ وألزمهم بالجواب حتما بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه ؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلا ليخبروا عما سئلوا عنه قوله مستأنفا : الَّذِينَ آمَنُوا أي أوجدوا هذا الفعل وَلَمْ أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ أي يخالطوه ويشوبوه بِظُلْمٍ . ولما كان المعنى : أحق بالأمن ، عدل عنه إلى قوله مشيرا إليهم بأداة البعد تنبيها على علو رتبتهم : أُولئِكَ لَهُمُ أي خاصة الْأَمْنُ أي لما تقدم من وصفهم وَهُمْ مُهْتَدُونَ أي وأنتم ضالون ، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك « وتفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى بِظُلْمٍ بالشرك » « 1 » الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] تنبيه للصحابة رضوان اللّه عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم ، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه ، ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك ، وأنه دال على الحث على التبريء عن قليل الشرك وكثيره ، فآل الأمر إلى أن المراد : ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك ، فالتنوين حينئذ للتحقير كما هو للتعظيم ، فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معا - واللّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 83 إلى 86 ] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 )

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 6918 ومسلم 124 والترمذي 3069 والنسائي في الكبرى 11390 وأبو يعلى 5159 وأحمد 1 / 444 و 387 من حديث ابن مسعود وفيه : « فقالوا يا رسول اللّه وأينا لا يظلم نفسه ؟ ! قال : إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] إنما هو الشرك » .